الشيخ محمد رشيد رضا
69
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كامل لان متعلقه هو الكمال المطلق الذي يستمد منه كل كمال . وأما متخذو الأنداد فان حبهم متوزع متزعزع لا ثبات له ولا استقرار للمؤمن محبوب واحد يعتقد أن منه كل شيء ، وبيده ملكوت كل شيء ، وله القدرة والسلطان ، على جميع الأكوان ، فما ناله من خير كسبي فهو بتوفيقه وهدايته وما جاءه بغير حساب فهو بتسخيره وعنايته ، وما توجه اليه من أمر فتعذر عليه ، فهو يكله اليه ، ويعول فيه عليه . وللمشرك أنداد متعددون ، وأرباب متفرقون ، فإذا حزبه أمر ، أو نزل به ضر ، لجأ إلى بشر أو صخر ، أو توسل بحيوان أو قبر ، أو استشفع بزيد وعمرو ، لا يدري أيهم يسمع ويسمع ، ويشفع فيشفّع ، فهو دائما مبلبل البال ، لا يستقر من القلق على حال هذا هو حب المشركين للقسم الأول من الأنداد ، ومن الحب نوع سببه الاحسان السابق ، كما أن سبب الأول الرجاء بالاحسان اللاحق ، ومن الاحسان ما تتمتع به ساعة أو يوما أو أياما متاعا قليلا أو كثيرا ، ومنه ما تكون به سعيدا في حياتك كلها كالتربية الصحيحة والتعليم النافع ، والارشاد إلى ما خفي من المنافع ، وكل هذا مما يكون من الناس بكسبهم . وليس في طاقة البشر أن يحسن بعضهم إلى بعض باحسان إذا قبله المحسن اليه وعمل به يكون سعيدا في الدنيا والآخرة بحيث تكون سعادته به غير متناهية ، وهذا الاحسان الذي يعجز عنه البشر هو هداية الدين التي تعلم الناس العقائد الصحيحة التي ترنقي بها العقول وتخرج بها من ظلمات الوثنية ، والتعاليم التي تتهذب بها النفوس وتتزكى من الصفات البهيمية وقوانين العبادة التي تغذي العقائد والاخلاق ، حتى لا يعتريها كسوف ولا محاق فالدين وضع إلهي يحسن اللّه تعالى به إلى البشر على لسان واحد منهم لا كسب له فيه ولا صنع ، ولا يصل اليه بتلقّ ولا تعلّم ( إن هو إلا وحي يوحى ) فيجب أن يحب صاحب هذا الاحسان سبحانه وتعالى حبا لا يشرك به معه أحد ، ولكن متخذي الأنداد بالمعنى الثاني في كلامنا قد أشركوا أندادهم مع اللّه تعالى في هذا الحب إذ جعلوا لهم شركة في هذا الاحسان بسوء التأويل كما تقدم ، فكما يأخذون بآرائهم على أنها دين من غير أن يعلموا من أين أخذوها وإن لم يأمروهم بذلك بل